عزيزة ومحمود

كثيراً ما كانت السيارة النص نقل التي تقلني إلى مدرستي في قرية الزهايرة تختفي بلا سبب وبلا مبرر وبلا سبب واضح للغياب اللهم إذا أمطرت الدنيا وكثر الوحل المتراكم على الطريق الزراعي مما يمنع الحركة من القرية وإليها ولا أجد مفراً إلا السير في هذه البركة الموحلة مسافة 2كيلو متر في ظروف غاية في التعب والصعوبة أحياناً كنت أدندن بأغنية عاطفية لأم كلثوم أو عبد الحليم وأحياناً أخرى أكتب قصيدة شعر أنسلخ بها عن العالم بأسره فالسير بين الحقول متعة كبيرة فالزرع صديق وفيَّ يستمع في صمت لا يتكلم أحكي له عن أحزاني فيهتز حزناً وأحكي له عن أحلامي فيرهف السمع كانت المسافة تطول بصعوبة الطريق فأدقق النظر لكل شيء من حولي حتى المصرف تلك البركة الراكدة بمياه الترعة والذي يطلقون عليه اسم الجربوع أرى ألوان قوس قزح تبدوا طافية عليه.. القاذورات تنتشر حوله بفعل قبيح من البشر.. ألوان مختلفة من مخلفات الإنسان. لفت نظري أثناء السير شيء غامض جلباب نسائي بلون ريفي رأيته مشهوراً بين نساء قريتي والقرى المجاورة. إنه شعبان بائع القماش المتجول يحمل بقجته فوق ظهره ويتجول بين الدور في الريف.. الجلباب ملفوف وكأن به شيئاً تعجبت وسألت نفسي ترى ما هذا الجلباب وما هذا الشيء الملفوف بداخله..؟؟‍‍ومن الذي ألقى به ليلاً في هذا المكان الموحش. سرقتني الأسئلة وحوارات النفس جعلتني أجد نفسي وجهاً لوجه أمام المدرسة كل الأشياء مغسولة زاهية ما عدا فناء المدرسة فقد امتلأ بالمياه.. فرح التلاميذ وتغيبوا من المدرسة ومن جاء فرح أكثر لاختفاء الطابور.. مر اليوم كئيباً مملاً.. زيطة وهيصة فالمدرسون هم أيضاً منحهم الشتاء إجازة إجبارية لانقطاع الكهرباء والمواصلات.. الفسحة هي الأخرى ألغيت فخرجنا في شبه مظاهرة.. الجرس ضرب يا شيخ العرب وكأننا انتصرنا في أحد المواقع الهامة وهذا ما يفسر لنا ظاهرة تسرب الطلبة من المدارس وخاصة الفتيات لعدم وجود وسائل جذب بها ضرب وعنف وعقد من المدرسين عن طريق الدروس الخصوصية وعقد أخرى من أولياء الأمور الذين اعتبروا المدرسة "وسيَّه" تعلم أبناءهم وتكسيهم وتؤكلهم فيحدث المتوقع الهروب والتسرب فلا ولي أمر يصرف ولا المدرس يتنازل عن الدرس الخصوصي حتى مقابل أي شيء بيض.. فراخ.. عسل...في طريقي للعودة سيراً على الأقدام أيضاً شعرت بالتعب والإرهاق ظللت أتباطأ أنظر للأمام أو الخلف لعي أجد سيارة تنقلني لقريتي وبينما أنا أنظر إذا بجمع من النساء يلتفون ويتحدثون بصوت عالٍ: هي مفيش غيرها.. لا حول ولا قوة إلا بالله. دى ولد يا أم السعد.. يا خيبة يا ختي ع البنات ها تعمل إيه.. كانت ها توديه فين..؟!!اقتربت شيئاً فشيئاً من الجربوع ذلك المصرف الصغير فوجدت الجلباب الذي رأيته صباحاً وتظهر من داخله رأس جنين ميت وكل من له رأي أفتى به للاستدلال على صاحبه هذا الجنين لتكون فضيحتها بجلاجل لم يسألوا من أبوه..؟!! ولكن سألوا من تكون الفاجرة التي فعلت هذه الجريمة الشنعاء.. قضية غاية في الخطورة أن يتهموا المرأة وحدها دون الرجل وتظل المرأة حاملة وصمة العار ما بقيت من حياتها وعلى الرغم من أن الفاعل معروف إلا أن المجتمع يتسامح ويصمت ويصب جام غضبه على الفتاة وآه حين ينتقمون منها رجماً بالكلمات وأحياناً بالفعل وكثيراً بالحكم عليها أن تظل عاهرة طوال الحياة.. انصرفت إلى حال سبيلي وهذا المنظر يلازمني ويلح في تكرار داخل عقلي الباطن.. ما ذنب تلك الفتاة لقد أحبت وأعطت حبيبها كل شيء لقد ضحك عليها أوهمها بأنها الأولى والأخيرة في حياته وأنه لو لم يفعل معها هذا الشيء سوف يموت وينتحر وتصدقه الفتاة وتظل تعطيه بلا حساب حتى يمل منها ويتهرب من لقاءاتها وإذا شعرت بالخطر أخبرته بالكارثة إتهمهما في شرفها وفي أخلاقها قائلاً إيش عرفني إني أبوه وتدور الفتاة تبحث عن حل لأزمتها من يخرج بها من تلك الكارثة المميته.. بلا جدوى ويتحرك الجنين فتتأجج الكلمات.. تفور.. تغلي الفتاة كالبركان.. ماذا تقول..؟!! وكيف يتقبل المجتمع عارها.. آفة ولعنة تصيب المجتمعات الشرقية من هنا جاء كره الأنثى ولعي أسجل هنا حادثة لأب قتل أربعة من بناته وشروع في قتل اثنتين في ليل رمضان من عام2004.. الرجل صعيدي يتمنى أن يكون المولود ذكراً لكن الزوجة أتت له بسبع بنات فثارت ثورته وعلى الرغم أنه قتل البنات الأربعة بلا ذنب إلا أنه تنبأ بالعار وخاف منه وظل الخوف يضغط على أعصابه بشده حتى انهار مستسلماً لرغبته الجنونية في التخلص منهن بالذبح..حمدت الله على أني لم أنجب بنتاً ولا ولداً ووضعت رأسي كي أنام لكن كوابيس أحلامي لاحقتني في جزيرة مذبوحة الأحلام ضائعة الوطن بلا هوية مكسورة النفس والخاطر سمعت آذان الفجر كما سمعت آذان العشاء استيقظت متعبة... كوابيس النوم ظهرت بوضوح على العينين المتعبتين فأسبلت الجفون..لم أتناول طعامي كالعادة وشقيت بقدمي قلب الحقول ودققت النظر لعلي أجد جنيناً مثل جنين الأمس وفي المدرسة كانت المدرسات يتحدثن في همس عما حدث بالأمس قالت أبله صباح المنجي: حماتي قالت إنها عارفه إللي عاملت العملة دي.. ردت النسوة في صوت واحد.. مين هيه يا ترى زمان حماتك عارفه ماهي دايه مولدة نسوان البلد على إيديها. قالت صباح في مكر: الله أعلم ردت عليها إيمان الفقي في بجاحة: آه منكم يا فلاحين الخبث والمكر صفات ثابته فيكم أعوذ بالله.. وما أن سكتت إيمان حتى بادرتها ليلى رمضان: اسملا عليكم يا بتوع البندر البنت من دول تبقى حامل وتضحك على الراجل من دول وتتجوزه وتكتب العيل إللي ولدته على اسمه.. آل البندر آل.. إللي إللي البت فيه بتحط أبيض وأحمر وأخضر وهيه لسه ما طلعتشي من البيضة.. وتدخلت قائلة: الموضوع أخطر من كده بكتير.. البنت عندنا تعرف الصح من الغلط وتعمل ألف حساب لأي غلطة تقع فيها..؟!! قالت صباح والله أمي كل ليلة تتحسر على البنات إللي بتضيع باسم الحب.. واحده حبت واحد وفض يتحدلب لغاية ما نال غرضه وبعد كده خلاص.. سبها وهرب.. كلام.. شائعة.. فتوى مجتمع فاضي.. لا شغلة ولا مشغلة.. حصة فاضية على حصة فيها شغل ويعدي النهار ككل نهار..جدتي أم علي كانت واعية ومحنكة دايماً تقولي خلي الراجل على نار طول ما إنتي لسه على البر سيبيه يفكر فيكي ليل ونهار ويصبح مشغول البال علشان يجري وراكي بالمشوار.. وده طبعاً في الحلال لكن الحرام ربنا يبعدك عنه..وفي الدار كان لابد أن أجلس جلسة نسائية في حجرة الفرن في الشتاء والقش والموقد والكانون ما أحلاها عيشة الفلاح.. براح في براح.. الجلسة كانت نسائية بحته ضحكت النساء الصغيرات زوجات الأبناء و النساء الكبيرات أمهات الأبناء أما رئيسة الجلسة أمه نجيبه كالعادة.. افتتحت الجلسة كحاجب المحكمة ونادت أمه نجيبه إيه إللي حصل عند الجربوع إللي بين بلدنا والزهايرة.. قالت في شماتة لزوجة ابنها البكري الذي بكرت بأنثى: بنات آخر زمن ربنا يستر على ولايانا.. مصمصة النسوة قائلات في صوت واحد ياعيني ع الولايا.. قالت أمه نجيبه في لحظة حاسمة كمن أطلقت الحكم بلا استئناف.. دول عايزين ضرب النار صايب يا خايبه يا اختي ع البنات وقال إيه البنت زي الولد مهيش كمالة عدد دي كمالة عدد ونص كمان الله يرحمك يا أمه خضرة كانت يوم ميلاد البنت تصبح جنازة في الدار. استمعت إلى جنازة من اللوم والعتاب والسباب للبنات وإللي خلفوا البنات وكانت الكلمات تنزل على أذني كنقط من نار حامية الوطيس فتزلزلني وتأججني وأحمد الله على أني لم أنجب إناثاً في هذا الجو المشحون بالعصبية للذكور لكن أين المنطق وأين الرأي الخاص والتأثير في مجتمع البسطاء قلت بعد معاناة.. على فكره يا أمه نجيبه البنت هنا مظلومة.. نظرت أمه نجيبه نظره كلها عتاب والشرر يتطاير من عينها.. لأن هذه الكلمة تعني أنها سوف تفقد تحديها للمرأة التي تنجب إناثاً في الدار قالت.. وقد عادت إليها نبرتها الشرسة: إنتم عندكم في المطرية البنات حلوين أمال..؟!! ملايكة.. يااختي اكسري للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرين.. كانت كلماتها تشتد عنفاً وشراسة شعرت بأني على أعتاب مشكلة مستعصية فالصدام معها يعني مشكلة كبيرة أولها أني سأفتقد جلسة البراني الدافئة واجتماع النسوة ومشاركتهن حديث المودة والحب لكني اعتزمت أن أفضفض مهما كان الأمر قلت: ع فكرة البنت هنا لو اتعلمت ودخلت الجامعة هتعرف تحافظ ع نفسها لكن أنا دايما بسمعك تقولي أدام البنات إللي في ابتدائي وإعدادي البنات إللي بيتعلموا وبيروحوا السنبلاوين بيحبلوا وأهلهم بيقتلوهم فانصرفت البنات عن التعليم وفكروا في الجواز والعريس وخابوا في المدارس انتفضت المرأة واقفة تيقنت أن قرار طلاقي من الدار لازال فكرة قابلة للنقاش في رأسها مهما كان وضعي إن شاء الله أكون وزيرة.. شوحت المرأة بيديها لتعلن عن انفضاض الجلسة قائلة يالله يا مرة إنتي وهيه كل واحده تشوف وراها إيه أحسن مرات عادل هتبووظ أخلاقكم يالله يا اختي اطلعي على فوق بدال ما تخيبي في المدارس.. لملمت أشلائي المبعثرة من عجرفتها وإهانتي الغير منتظرة وأخرجت سلسة مفاتيحي وقبضت على مفتاح الشقة وتساءلت في نفسي ترى ماذا تدبر لي أمه نجيبه بعد هذه المواجهة الساخنة وهل تستطيع أن تنزعني بعد أن ذرعت جذوري في هذه الأرض الطيبة وأصبحت جزءاً منها رائحتها تحييني.. نسيمها يحملني إلى أنهار أحلامي فأسبح فيها.. وفي شقتي انقطع التيار الكهربي كالعادة.. فانزلقت قدمي ووقعت بسبب تسرب مياه الثلاجة على الأرض ورغم آلامي النفسية والجسدية أوقدت لمبة الجاز واحضرت أوراقي لأكتب أجزائي مرة أخرى في مجتمع لم ولن يرحم المرأة.. ظللت ساهرة أعافر أحزاني بجوار الزوج المرهق من عناء العمل..وفي الصباح كالعادة توجهت إلى الطريق الزراعي فوجدت سيارة شرطة وضباط وعساكر.. انقبض قلبي.. استعذت بالله.. الموضوع كبير.. فيه إيه يا جماعة.. الصمت يخيم على المكان.. دموع بعض النسوة.. وحده مقتولة ومرمية في أرض الأرز.. مين يا ترى.. لم نعرف.. دارت الدنيا بضحية جديدة امرأة أم فتاة في ريعان الشباب تقتلها آيات التخلف وأحزاب الرجعية ماذا فعلت..؟؟!! هموم الدنيا فوق رأس "هنادي" طه حسين تعود قتلها الخال لأنها جاءت له بالعار.. ملأ يديه بالدم وحين سألوه عنها.. قال: أخذها الوبا كل يوم على صفحات الجرائد نقرأ قتلها أبوها لسوء سلوكها وجودها مقتوله بعد اكتشاف حملها السفاح حوادث تقهر البنات.. وتربي لديهم عقدة الخوف من الحب وإمكانية التعرف على فتى الأحلام فتصاب بالرعب والهلع..خرجت من صمتي على صوت إحداهن.. دي بنت غريبة من بلد بعيده.. اسمها "عزيزة" كانت حامل وبتقول جوزها في العراق والظاهر أهلها عرفوا فموتوها وموتوا الواد إللي ولدته.. انصرفت إلى حال سبيلي.. وبعد أسبوع قرأت الحادثة وتفاصيلها كانت عزيزة تعشق أحد شباب قريتها ففعل فعلته وسافر العراق.. والتفاصيل كانت مكتوبة في كيستها المربوطة بسير السنتيان البفته والإمضاء كانت محمود..

فوزية ضرتها

مرت الأيام وأمه نجيبه تعلن حربها الشرسة عليه وتريد الاتصال بزوجي لتخبره عن العملة السوداء التي قمت بها وواجهتها بأنها سبب جهل البنات في الدار.. لكن زوجي مشغول لا أجده أنا فهل تجده هي..كانت النسوة الصغيرات يصعدن إلى شقتي في الليل حين تنام بعد أن يعلوا الضغط مهدداً إياها بمرض تقيل فتخاف تتناول الحبوب وتنام قلبي لا يزال يعلن الحداد على عزيزة الغريبة.. لماذا اختارت بلدتنا لتعيش فيها..!! وأين كانت تعيش..!! وكيف استطاعت أن تحتمل القسوة والمرارة والحمل لفتاة لازالت تخطو خطوتها الأولى لعالم الحلم الوردي بلا أم ولا صديق.. وكم فتاة تذوقت كأس المرارة باسم الحب.. الحب في مجتمعنا لا يفهمه الرجل فالغريزة تتحكم بلا شك حين يلتقي الشاب بفتاة يحبها أو حتى يستريح لها فالحالة الاقتصادية والأحوال المتردية وسوء العمل الذي يعج بالبطالة والتسكع في الطرقات بلا عمل جعل الشباب يتحولون إلى ذئاب جائعة تبحث عن فريسة لتغتال براءتها فتارة نسمع عن الجواز العرفي وتارة أخرى عن الاغتصاب ومرات كثيرة عن الفعل الفاضح في الطريق العام أو على صفحات الجرائد اليومية ضبط فتيات الجامعة في أوكار للدعارة يا للعار.. يادي المصيبة لو كانت أمه نجيبه تتابع الجرائد.. لكانت فضيحتي معها بجلاجل وهي تعايرني بأن المتعلمات أيضاً منحرفات.. بماذا أفاد تعليمهن..؟؟!! شيء يدعو للحزن بالتأكيد..قضية تناقش يومياً من قبل المهتمات بقضايا المرأة ومجالسهن وأخبارهن قائلات في شعارات لا أدري صحتها ممنوع العنف ضد الإناث والعنف يتمثل في الضرب والختان سألتني عايدة مرات صلاح يعني إيه ختان قلت: يعني الطهارة قالت في دهشة: يا خرابي دي البت إللي ما تتطاهرشي بتبقى هايجة.. سكت ولم أناقشها فالقلب فيه ما يكفيه وتابعت مفهوم العنف ضد الإناث هل العنف يتمثل في اقتطاع هذا الجزء إن الإنسان لو قطعوا أقدامه أو أخذوا أي عضو منه فإنه يعيش فلماذا لا تعيش الفتاة بعد اقتطاع هذا الجزء..؟؟!!!أنا أعتقد أن وقف العنف ضد الإنسان يتمثل في مواجهة الفضيحة التي تعاني منها الفتاة بعد اغتصابها بإرادتها أو بلا إرادتها.. هل بعد أن تحمل الفتاة ويتهرب الرجل عنف يمارس.. أعتقد أن كثيرات منهن يقدمن على الانتحار لكي يتخلصن من العار والفضيحة وحتى بعد أن ترحل كافرة فإن سمعتها تظل عالقة بأذهان المجتمع لا تمحوها السنين..حكايات النساء دائماً تدور في المجتمعات الشرقية حول شيء واحد الشرف والعفة والحب والزواج والطلاق.. لا قضايا معاصرة.. وإن ظهرت فهي في إطار الزواج العرفي – الخلع - محكمة الأسرة خلل ما يصاب به المجتمع الإقليمي والقروي والصعيدي وأهم ما يدعو للسخرية زواج الرجل بأكثر من وحده وهو ما يتدرج تحت مسمى "تعدد الزوجات" أي يتجوز الرجل بمن تحلو له الدين والشرع حلل له ذلك إن كان قادراً على أن يعدل بينما إذا كان يميل لإحداهن دون الأخرى فبالتأكيد عدم زواجه أفضل وبطلة قصتنا فتاة في العشرين جمالها يفوق الوصف ضفائر سوداء مسترسلة تنسدل على قمر يسير على قدمين.. يهتز غصن البان فتميل قلوب العاشقين والطامعين ومن في قلوبهم مرض. فلا نرى من يغض بصره بل يبحلق في شراهه وجنون..فوزية وقد كان هذا اسمها.. أشهر فتاة في القرية فوالدها شيخ الغفر الشحات أبو الريش.. طول وهيبة وسبع فدادين ورثهم من الإصلاح الزراعي عن أبيه الغفير النظامي الذي كان يعلق بندقيته الميري التي يعلوها التراب وجلبابه الأخضر القديم وفوقه البالطوا الأصفر ذات الأزرار الكبيرة أصيب بداء العظمة والغرور وعندما أصبح من الملاك بعد أن ذاق المر وبطنه أصابتها العفن من دود المش لم يصدق الرجل نفسه وهو يقبض الجنيهات في كل موسم حصاد حاول أن يستوعب الوضع الجديد لكنه لم يقدر فأصابته لوسة وكتر كلامه عن الثورة وجمال عبد الناصر الذي علق صورته في المندرة بعد أن أصبح عضواً في الاتحاد الاشتراكي تجنبه الرجال في القرية لأنه يصيبهم بالصداع من جراء صوته العالي المتحدث بلسان الثورة والشيوعية والمثقفين فأصيب بالمرض وسرعان ما مات مخلفاً لإبنه الشحات سبع أفدنة فخرج الشحات مغروراً بالفطرة والولاده مغرور ابن مغرور وولدت فوزية وإللي اقتبس من اسم الأميرة فوزية فالشحات كان يشعر بأنه أصبح برنس وأبيه أمير.. آآه يا ولاد الكلب عاملين ولاد الثورة وإنتم نفسكم ترجعوا أمراء إقطاعيين بتتمسحوا ليه في الملك هيه الأميرة فوزية دي اخواتها الأميرات فايزة وفوقية إخوات الملك فاروق طب ما سماهاش هدى ليه على اسم بنت جمال ولا سماها عيشة على اسم وزيرة من بنات الثورة..كلام كانت البلد تردده.. كلمنا تمنعت فوزية ورفضت عريس من ولاد البلد أنا هتجوز في السنبلاوين.. بلد إيه الفلح دي.. ومرت الأيام وترامت الأخبار في القرية على لسان أهلها بأن فوزية خطبت لمهندس في السنبلاوين يا حلاوة مهندس دى إيه النهاردة.. وتم زفاف الأميرة فوزية بنت البرنس علاء اقصد البرنس الشحات أبو الريش في حفل مهيب شاركت فيه فرقة الأوبرا عفواً دائماً أتذكر حفل زفاف الأميرة فوزية على شاة إيران عزفت فرقة حسب الله أغنية "أما نعيمة.. نعمين.. خلي عليوه يكلمني" وغنت عايدة الشاعر في المسجل.. "الطشت قالي.. الطشت قالي.. يا حلوه يا إللي قومي استحمي".. وها هيه فوزية الحلوة استحمت يوم الصباحية والشحات آخد عربية بها كل ما لذ وطاب من فطير مشلتت.. ورز وبط وحلويات.. وخلافه..أنجبت فوزية بنت بعد عامها الأول من الزواج.. بعد اكتشاف أن المهندس طلع دبلوم صنايع ويعمل في ورشة لمعلم كبير وإن فوزية كانت السلم الذي سوف يصعد عليه لتحقيق طموحاته فالأخبار وصلت إن فوزية ليها فدان ملك.. أبوها كتبه على اسمها وحين علم الشحات بالملعوب خاف من كلام الناس وحط سره في عبه.. وقال في استلام إنه المقدر والمكتوب. فوزية استسلمت للأقدار وانشغلت بتربية بناتها الأربع ليلاً ونهاراً تغضب عند ابوها شويه وتغضب عند أخوها شويه.. ولطشت معاها الأيام أما زوجها المهندس الفاشل فذهب إلى غير رجعة وبحثت عنه كثيراً فلم تجد له أثر لكن أولاد الحلال أخبروها بأنه يعمل في إحدى الورش في ليبيا فاستطاعت أن تحصل على العنوان وأرسلت له شرائط تسجيل تخبره بأن البنات يسألن عليه وهي تعاني بمفردها في تربيتهن.. ولكن ذهبت محاولاتها أداج الرياح فلملمت جراحها وحلمها الخائب في السكن في المدينة الكبيرة التي بهرتها بالأضواء والمباني العالية والأسفلت وخبأت دموعها المنهمرة فوق خدودها الذابلة وجمالها المنزوي مع الأحزان وأتى والدها الشحات بسيارة نصف نقل ليحملها حملاً إلى القرية فودعت جيرانها والسوق المجاور لها والفاترينات التي كانت تعشق الفرجة عليها كلما غدت أو راحت ظلت دموعها تغسل عينيها في قسوة وهم ونهرها أبوها قائلاً يا سلام يعني كنتي في الجنة يا بت إيش حال لو ما كنشي مدوقك المرار مش هيه دي شورتك يا شماتت البلد فيك يا شحات.. يا إللي خبت في تربيتك.. حظي كدى يا آبه معتشي ييجي منه مقدر ومكتوب.. والمكتوب مفيش منه هروب.. نظرت فوزية إلى بناتها اللاتي أصبحن من بنات المدينة ملابسهن شعورهن المسترسلة.. أحذيتهن الجلدية.. زفرت زفرة طويلة أحرقت صدرها وهي تعلم مصير البنات في القرية فالكبرى إحدى عشر عاماً والصغرى في الرابعة من عمرها ومنذ ولادتها ومشاكلها لا تنتهي مع الزوج الذي كان يريد ولداً.. وهي لا تأتي له إلا بالبنات.. لا إله إلا الله.. وما ذمبها..؟؟!! وبرغم تحذيرات وسائل الإعلام للأم التي تنجب وتعرض نفسها لمشاكل صحية كبيرة وبرغم الملايين المهدرة التي تنفقها الدولة بلا رحمة على وسائل منع الحمل التي تحتوي على الحديد واللولب والحقن إلا أن النساء لا تزال تحمل وتنجب ضاربة بنصائح ماما كريمة عرض الحائط فمن تريد ولداً تظل تنجب حتى لو أنجبت دسته كاملة من البنات.. كل ذلك لا يهم المهم الواد ييجي وخلاص بعد أن تكون العائلة انشطرت وكثرت وجاعت فلا طعام ولا ملبس ولا مأكل وتسدين وتوضع في تعداد الأسر الفقيرة التي تحتاج إلى زكاة والأم فرحانة لأنها كادت العزال وأصبحت أم جميل بدلاً من أم جميلة.. أفاقت فوزية من شرودها على صوت أبيها يشخط في البنات يالله يا بت إنتي وهيه.. ابتلعت دموعها في حسرة وقالت في سرها: ربنا يستر أول القصيدة كفر يا حسرة قلبي عليكوا يا بناتي.استسلمت فوزية لحياتها في القرية وازدادت ألماً وغماً وهماً وهي تراهن يتحولن إلى بنات قرويات في كلامهن.. أزيائهن.. فلم تعد تشتري لهم سراويلاً بل حلت العباية الواسعة مكان السروال واختبأت شعورهن بخمار كبير فبات شكلهن أكبر من سنهن الحقيقي.. فانابتها اكتئاب وصمت كلما تذكرت أيام الزوج الهارب الذي تزوج عليها في القرية وأنجب ولداً ويعيش حياته كأنه لم يعش يوماً معها ولا مع البنات..انتهت قصة فوزية التي استمعت إليها من "عيوشة" دلالة القرية التي كانت تنافس بضاعتها الحاج شعبان لأنها استطاعت بخبرتها أن تتعرف على أذواق النساء ومطالبهن الخاصة بلا خجل فراجت بضاعتها بفضل حلاوة لسانها وحكايتها التي يفوح منها عبق الأسرار وما أسعد المرأة حين تتعرف على سر امرأة تتاجر به في أثناء النميمة النسائية..
 
أنشأ هذا الموقع ويدير تحريره الكاتب الأديب مجدى شلبى