ليلة قاسية

استرجعت كل ذكرياتي دونتها في أوراق أسميتها مذكرات داكنة استودع أجمل لحظات العمر..أولى ثانويآخر سبت سبتمبر 1973.. كنت أجمل بنت في الحارة بجلبات أزرق وفيونكة بلون البطيخ الأحمر عند الصدر النافر سهم أصاب القلب في مقتل كل عيون الفتيان تنادى تنهمر دموعاً أشواقاً وحنيناً وبرغم الانكسار والهزيمة والانهيار والكرامة المجروحة في قلب الرجال تنسال كلون الزجاج الكحلي الغامق فوق النوافذ كان الخبز الأسود ولمبة الجاز المغموسة بالهباب وبيجامات إخواتي الصبيان المتسخة بالتراب وبالمداد وتنبعث منها راحة زفارة السمك المشوي والأرز الذي يتساقط منه الزيت ورائحة علب البولوبيف الفارغة الذي يختلسونها من بقايا مخلفات منزل "السحاروة" وهو جمع لكلمة سحراوي كان رجلاً غنياً يركب سيارة يوم أن كانت عربات الحنطور والكارو وهي وسيلة المواصلات الرسمية. كانت النكسة في1967 تطبق على الأنفاس وتشعرنا بالقهر والحزن والعار ونحن نرى إسرائيل تربض فوق أنفاسنا في الجانب الآخر من قناة السويس.. خالي محمد كان صياداً ماهراً في جزيرة أم خلف أما أسرته زوجته وبناته الخمس.. فكن مهجرات في مدينتنا المطرية الباسلة التي كانت مستودع الأمان لكل من شعر بالهم من مدن الكنال.. أصر خالي محمد رغم النكسة ورغم تحذيرات الحكومة بعدم الصيد في البحر لأن اليهود الأندال زرعوا بها الألغام أصر أن يصطحب شبكته وقاربه الصغير ليتحقق حلم العودة رغم الموت اصطحب رفعت ابن أخته وابن خالتي بسيمة أجمل أمرأة مهاجرة من بورسعيد ودعناه والدعوات والدموع كانت تغالب الكلام..وبعد يومين وصلنا خالي محمد في صندوق الموت وفي صندوق آخر ساق رفعت ابن خالتي العريس الذي تزوج سعدية منذ شهر.. فكيف إذن نودع القهر والأحزن ماذا نقول..؟!!يهود هوايتهم سفك الدم والأفئدة والأكباد..السبـت الثاني.. 6 أكتوبر 1973"ياليتني كنت الشنطة" كلمات غزل اعتدت عليه الجو حار، قميصي الأبيض لا يزال يزهو بزهرة أمي الزرقاء وأنا عائدة من المدرسة بعد الظهر.. وفي طريقتي مررت بالمحلات الصغيرة عم بهلول بائع الفول وعم رضا الفلاح الذي أصبح حلاقاً.. وأم السيد السمراء وأولادها محمد ومصطفى.. كلهم من بورسعيد..شيء غريب أراه اليوم فالأشياء تزدان ترتدي أزهى الثياب تبدو أكثر إشراقاً والرجال الذين كانوا بالأمس مخنثين أصبحوا اليوم رجالاً تتألق رجولتهم بمزيد من الجد والعمل..دخلت الشارع فوجدت حركة غير عادية لم أعهد بمثلها من قبل المتخاصمون يتصادقون.. أبي أمي فتحي الخولي – حمادة فلا، سعدية بطل، أم العربي مجاهد.. الجميع يبتهل فرحاً لم أسألهم دخلت المنزل خلعت ملابس أولى ثانوي كانت تعجبني إلى حد الجنون كأني صرت بطلة في أفلام حسن يوسف ومحمود ياسين كأني نجلاء فتحي أو نيللي أو شمس البارودي.ارتديت جلباب البيت المزركش بألوان الخريف لتعلوبي زغرودة عالية في الشارع وبين الزحام والمهاجرين والمذياع والصوت المنطلق على آخر سرعة: صبرنا، وعبرنا، وربك نصرنا وبالبندقية رفعنا العلم وعبرنا لقد تحقق الحلم وعبر جنودنا خط بارليف المنيع بالعزيمة والصبر.
 
أنشأ هذا الموقع ويدير تحريره الكاتب الأديب مجدى شلبى